الشوكاني

333

فتح القدير

لا يعرفون الذنوب ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال ( قالوا لم نك من المصلين ) أي من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا ( ولم نك نطعم المسكين ) أي لم نتصدق على المساكين ، قيل وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة ، لأنه لا تعذيب على غير الواجب ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات ( وكنا نخوض مع الخائضين ) أي نخالط أهل الباطل في باطلهم . قال قتادة : كلما غوى غاو غوينا معه . وقال السدي : كنا نكذب مع المكذبين . وقال ابن زيد : نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو قولهم كاذب مجنون ساحر شاعر ( وكنا نكذب بيوم الدين ) أي بيوم الجزاء والحساب ( حتى أتانا اليقين ) وهو الموت ، كما في قوله - واعبد ربك حتى يأتيك اليقين - ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) أي شفاعة الملائكة والنبيين كما تنفع الصالحين ( فما لهم عن التذكرة معرضين ) التذكرة التذكير بمواعظ القرآن ، والفاء لترتيب إنكار إعراضهم عن التذكرة على ما قبله من موجبات الإقبال عليها ، وانتصاب معرضين على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور : أي أي شئ حصل لهم حال كونهم معرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى ، ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بالحمر فقال ( كأنهم حمر مستنفرة ) والجملة حال من الضمير في معرضين على التداخل ، ومعنى مستنفرة نافرة ، يقال نفر واستنفر ، مثل عجب واستعجب ، والمراد الحمر الوحشية . قرأ الجمهور " مستنفرة " بكسر الفاء : أي نافرة ، وقرأ نافع وابن عامر بفتحها : أي منفرة مذعورة ، واختار القراءة الثانية أبو حاتم وأبو عبيد . قال في الكشاف : المستنفرة الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له ، وحملها عليه ( فرت من قسورة ) أي من رماة يرمونها ، والقسور الرامي ، وجمعة قسورة قاله سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن كيسان ، وقيل هو الأسد قاله عطاء والكلبي . قال ابن عرفة : من القسر بمعنى القهر ، لأنه يقهر السباع ، وقيل القسورة أصوات الناس ، وقيل القسورة بلسان العرب الأسد وبلسان الحبشة الرماة . وقال ابن الأعرابي : القسورة أول الليل : أي فرت من ظلمة الليل ، وبه قال عكرمة ، والأول أولى ، وكل شديد عند العرب فهو قسورة ، ومنه قول الشاعر : يا بنت كوني خيرة لخيره * أخوالها الحي وأهل القسوره ومنه قول لبيد : إذا ما هتفنا هتفة في ندينا * أتانا الرجال العابدون القساور ومن إطلاقه على الأسد قول الشاعر : مضمر تحذره الأبطال * كأنه القسور الرهال ( بل يريد كل امرئ منهم أن يوتى صحفا منشرة ) عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل لا يكتفون بتلك التذكرة بل يريد . قال المفسرون : إن كفار قريش قالوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم : ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسول الله . والصحف الكتب واحدتها صحيفة ، والمنشرة المنشورة المفتوحة ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه - قرأ الجمهور " منتشرة " بالتشديد . وقرأ سعيد بن جبير بالتخفيف . وقرأ الجمهور أيضا بضم الحاء من صحف . وقرأ سعيد بن جبير بإسكانها . ثم ردعهم الله سبحانه عن هذه المقالة وزجرهم فقال ( كلا بل لا يخافون الآخرة ) يعني عذاب الآخرة لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات ، وقيل كلا بمعنى حقا . ثم كرر الردع والزجر لهم فقال ( كلا إنه تذكرة ) يعني القرآن ، أو حقا إنه تذكرة ، والمعنى : أنه يتذكر به ويتعظ بمواعظه ( فمن شاء ذكره ) أي فمن شاء أن يتعظ به اتعظ ، ثم رد سبحانه المشيئة